Skip to content
مارس 10, 2011 / ضِـياء ؛

سأَعيشُ ولو بأَحلامِي

* شكراً لأنكِ طلبتِ مني كتابةَ قصة , فَلم أكن أعلمُ بأنّ لدي القدرةَ على كتابتها , كنتُ

أظنُّ أن الأمر  صَعبٌ للغاية , لكنّ التَجربة خير برهان .

شُكراً مرتّ أخرى محمَلةً بحبٍ انبثقَ من أعماقِ القلب ليستَقرّ هُناك ..

في قَلبكِ أنتِ .

شُكراً [ سماااء ] بحَجمِ تِلكَ السماء .


ألقت بِجَسدها الصّغير على السرير واستلقت على ظَهرها , ووضَعت يدها خَلفَ رأسها .

رَفعت بَصرها إلى الأعلى . وتَنفست بِعمقٍ شَديد , لِتنسكِبَ على وَجنتيها دمعتينِ يملؤهما

الشَوقُ والحنين.

كانت تُتمتِمُ مع نفسِها , وبَراءةُ الطفولة ما زالتْ تَملأ تمتماتها .

أَمسكت بهاتفها المَحمول , أرسَلت إليها بِضعَ كلماتٍ تُعبر فيها عن شَوقها لها , وعَن فقدانها

لحَنانٍ ينبعثُ منها .

تَحولت إِلى جانبها الأَيمن , وانسَلت بهدوِء تَحتَ الغِطاء, وهِيَ تحلُمُ بأنّ ماما تنامُ الآنَ بقربِها .


***

أَقبَل الصّباح لتَستَيقِظ أَحلام على هَديلِ حمامةٍ تَقفُ بالقُربِ منَ النافذة .

فَنهضت مِن فراشها لتفتَح النافِذة , وَتتكِئ على حَافَتها تتَأَمل الحَمامة .

أَخذت أحلام تتساءل : ما بال الحمامة يا ترى ..!

هَل تَفتَقدُ أُمها مثلي ..!

تَنفست أحلام بِعمق وَهزت كَتفيها وقالت : رُبما من يَدري .!

تَركَتِ النافذة واتَجهت إلى الحَمام لِتغتَسل وَ تستَعد للذَهابِ إلى المَدرسة .

ارتَدت زيها المَدرسي , ثُم وقَفت أَمامَ المرآة تُعيدُ تَصفيفَ وتَرتيب شعرها .

وبَعدَ أَنِ انتَهت مِنه , حَدقت في المرآةِ لتمعنَ النظرَ في ملامِح وَجهِها .

أَحقا أشبهُ ماما كَما يَقولُ الناس ؟

لقَد بدأت ملامِحُ أمي تَختفي عَن ناظري مِن طَولِ الغياب .

أُمي لقد طالَ غيابكِ عنا .

قالتها بَعدَ أن تَنهدت بِشدةٍ وهِيَ تبتَعدُ عن المرآة .

انَحنت قليلاً بالقربِ من مَكتَبها  لِتأخُذَ حَقيبَتها , وَتسرع في النُزول , فَجدتها بانتِظارها في

الأسفل .

***

جَلست أحلام على مائدةِ الإفطار  وَهيَ شارِدةُ الذهن .

أَحستِ الجَدةُ بشرودِ ذهنها فأخذة تُسائلها :

ما بالُكِ يا أحلام هَكذا على غَيرِ عادتِك ,أّهناكّ ما  يُشغلُ بالك أو يُقلقكِ ؟

جَدتي , مَتى سَتعودُ أمي ! هل سَيطُول غيابُها عنّا ؟

حَبيبَتي أنت (قالتها وَهي تَحتضنها ) سَتعودُ عما قَريبٍ بإذنِ الله .

أَشعُر بأنَكِ تُخفينَ عني شَيئًا أَليسَ كذلك ؟

بَدأت أماراتُ التَوترِ تَظهرُ على الجَدّة فأَسرَعت لتُخفي الأمرَ وتقول : هيا حبيبتي , الحافلةُ

عندَ البابِ بانتِظارك

نَهضت أحلام لِتَرتديَ عباءتها , وَودعت جدتها , لتَخرجَ من البابِ بخُطواتٍ متَثاقلة , وبعَينينِ

تَرقُبُ عودةَ ” ماما ” .

***

دَخَلت أَحلام إلى المَدرسة .

تَلفتت حَولها لِتحاكيَ نفسها : ها أنا ذا أَكبرُ يوماً بعدَ يوم ولم ترني ماما منذُ مُدةٍ طويلة .

عَادَ إليها شَريطُ الذكرياتِ الذي عايشته معَ والدتها , حِينما كانت تَركُض هنا وهناك , وتأتي

مُسرعةً لتلقي بِجَسدها الصَغير في أحضانها .

ويَومَ أَن كانت مُتعبة , فَتسهَرُ أمّها اللّيالي من أَجلِ راحَتها .

أحلام .. أحلام ..

قَطعَ على تَفكيرها يَد صديقتها وهي تَربتُ على كَتفها .

أَدارت أَحلام برأسها  وقالت : سارة !

أهلا وَسهلا .

صَباحُ الخير يا أَحلام , ما بالك ..!

يَبدو أنك لم تَسمعي ندائي , نَاديتُكِ مرارا دُونَ أن أجَدَ ردةَ فعلٍ منك .

مآ بالُكِ عَزيزَتي ؟

آآآآه آسفة (قالتها وهي تَضعُ يدها على فَمها ) ثم أخذت نَفساً عميقا , لِتعاودَ

الحديث :  كُنتُ أفَكرُ بأمي , اشتَقتُ لها كَثيراً , لا أدري إلى مَتى سَيطولُ غيابها عَنا .

لا تَقلقي سَتعودُ قريباً بإذنِ الله , لكن …

ما سَببُ غيابِ أمكِ طَوالَ هذهِ الفترة .

قَطعَ تَساؤلها صَوتُ الجَرس , يُعلنُ عن بدئ الحصّةِ الأولى .

أَسرعتا في الدُخولِ إلى الفَصل , فالدَرسُ سيبدأُ بعدَ قليل  .

كانَت أحلام تَغوصُ في أحلامها , وَسارة تُوقظها بَينَ الفينةِ والأخرى , لِتعاودَ الانتباهَ للدرس .

انتَهتِ الحصّة وتَوالت بَعدها الحِصص , إلى أَن حانَ موعد الراحة .

***

جَلست أحلام وسارة على أَحدِ المقاعدِ في فِناء المدرسةِ الواسع .

وّأخذتا تَتَحدثان مع بعضهما البَعض إلى أن قالت سارة :

أحلام !

لَم تُخبريني عَن سَببِ غيابِ أُمك , فجَرسُ الحِصةِ لم يترك لنا وَقتاً للحديث !

تَنهدتْ أحلام بشدة , وأغمضت عينيها , وتَنفست بِعمقٍ شَديد وَقالت :

الحِكايةُ طويلةٌ يا سارة .

بدأت عندما كنتُ في العاشرةِ من عُمري بَعدَ وفاتِ أبي بسنةٍ واحدة .

في أَحدِ أيام الخَريف , طَرقَ رجل بابَ بيتنا طالباً يدَ أمي , قائلاً لنا بأنهُ سيوفّي لنا شيئاً من

كَرمِ أبي عَليه , بأَن يرعانا وَيوفرَ لنا السّعادة ويُحققَ مَطالبنا .

وافَقت أمي لِطلبه بَعدَ أن انخَدعنا جَميعا بكَلامه .

كانتِ السنةَ الأولى لنا معهُ كالجنّة , يُغدقُ علينا ممّا أعطاهُ الله من الخَيراتِ والنعم .

لكن ….

صمتت أحلام هُنيهَةً من الزمن , لتستأنفَ الحديث :

لكن شيئاً فشيئاً بدأَ يتغَيرُ علينا , حتى أَخذ أمي بَعيداً عنا ومَنعها من رُؤيتنا .

رَغمَ أنهُ لا يزالُ ينفقُ على أمي ويُغدقُ عَلينَا من نَعيمه .

لكن ما فائدة ذلك , بَعد أَن حرمَها من رؤية فلذاتِ كبدها .

وحَرمنا نَحنُ من حنانها .

أَتعلمين يا سارة !

أربع سنينَ مضت دُونَ أن أرى فيها وَجهَ أمي .

وها أنا ذا قاربتُ أن أدخل ربيعي السادس عشر دونَ أن أَراها .

حتى محادثتها لنا بالهاتف لا تَكونُ إلا بينَ فتراتٍ متباعدة .

حاولت أمي الطلاقَ منه مِراراً لكن دونَ جدوى

لكني اليَوم رأيتُ شيئاً غريباً في وَجهِ جدتي , وكأنها تُخفي عني شيئاً .

ماذا تَتَوقعينَ أن يَكون يا سَارة !

بظنك هل َتعودُ ماما إلينا ؟!

***

أَغلقت أُمُ أمل صَفحات الكتاب , بعدَ أن انتهَت من سَردِ الحكايةِ على ابنَتها .

أَلقَت أمل بجَسدها في حضنِ أمها , ورَفعت بَصرها إلى السّماء تُتمتمُ بِدعواتٍ ترجُو فيها من

الإلهِ أن يَحفظَ لها والدتها , وتَحمدهُ على نِعمهِ التي لا تُحصى .

إذ أنها تَستَطيعُ ضمها وَتقبيلها وأَخذ دفء الحَنانِ منها .

صَحيحٌ أنّ أمل لم تَرَ وجهَ أمها , لكنّ عيشها في هذا النَعيم يُهونُ عليها ذلكَ الفقد .

فَرغمَ العمى , سَيبقى للحَياةِ طعمها الخاص .

فلا شَيءَ مستَحيل .

يُمكنها أن تَحلم , تَتَخَيل , أن تَرى ضِياءَ الحقِ , وَتسمعَ صوتَ تَغاريدِ العصافِير في كُلّ صباح .

أن تَعملَ وتصنعَ ما تَشاء !

فلن يَكونَ العمى عائقاً لها عنِ المَسير .

سَتنطَلق في هَذهِ الأرض , ولن تدعَ لليأسِ طَريقاً لهُ إلى قلبها .

سَتثبتُ للعالم , أنها لا تَختلفُ عنهم بِشيء .

فَبرغمَ العمى , تستَطيعُ العيشَ ولو بأحلامها .



Advertisements

11 تعليق

اكتب تعليقُا
  1. حُلم , / مارس 10 2011 7:42 م

    بداية اسمحي لي أن أشكر ” سماء ” لتشجيعها ,

    قصة مشوّقة , ونهاية لم أتوقعها ,

    لم تخلوا من المتعة ,

    الفكرة مبدعة , والقصة جميييلةة جدًا ” ماشاء الله ”

    أعتقد بأن لكِ قجرٌ مشرق في الكتابة بإذن الله ,

    واصلي ضيـاء ()

  2. Bayon / مارس 11 2011 12:51 م

    مــاشَـاء الله ..
    جَميلة هي لغتكِ ، تَسلسل الأحْداثْ والفِكرة ..♥
    عِندما وصلت إلى إغلاق الكِتاب في يدِ أم أمل ، توقعت أنها نهاية مُعتادةُ لكلِ أقصوصة ، لككني فوجِئتِ بتلك الفِكرة فِي النهاَيــة .. كَانت بِحقٍ جَميلة =)

    قِصة مبهِرة ضِيِــاء .. لآ تتوقفي ففي جعبتكِ الكَثير .. أعلم =)

    لروحكِ عبق المَطر ..♥

  3. فن ~ / مارس 11 2011 8:30 م

    مُذهل مُذهل يا ضياء !
    ما شاء الله تبارك الله ..
    استمري ()

  4. غدير ^^" / مارس 12 2011 6:01 م

    جَمَآآل ( )___( ) ♥
    أحداث مرتّبة ومتسلسة ونهاية غير متوقعة !
    وذلك فنّ “) أن تُنهي القصة بشيء لم يخطر ببال القارئ :””

    رائع ضيااء :””””
    وأحسننتِ ♥ :”

  5. tmtoma / مارس 15 2011 12:04 م

    جميل ما كتبت ^^

    عسى الله أن ينفع بك الأمة ..

    ويرفع شأنك 🙂

    أتمنى أن أرى كتباً لك مقدما

    على رفوف إحدى المكتبات 😉

  6. Najwa / مارس 18 2011 9:59 ص

    سأعود لقراءة بقية القصة والتعليق

  7. ĐǾΘǾΘŁЧ / مارس 26 2011 11:58 ص

    ماشاء الله قصتك غاية في الرووعه =)
    نهايتها غير متوقعه ابداً ()
    ضـياء لك مستقبل مبهر بالكتابه
    استمرري ^^

    سمـاء شكرراً لجعلنا نرى هذا الإبدااع ..

  8. سرمدية النقاء ~ / مارس 26 2011 2:05 م

    أسلوب جذاب, ويلعب بالعواطف, من أميز القصص التي قرأتها, إذ أنها تناقش حالتين بأسلوب غير متوقع جذاب.

    لكن كانت لي ملاحظة بسيطة هي في فجائية الانتقال إلى القضية الثانية والتي قد لا تخطر على القارئ

    انصح أن يكون هنالك تمهيد في المقدمة لا يشترط أن يكون مباشر, مثلا بامكانك وصف شيء من الظلمة, ثم صوت أم و بعض المشاعر, ثم تبدأ القصة كما بدأتها و تنتهي كما انتهيتِ,,

    استمري لكِ قلم فذ =)

  9. مرّوكي / مارس 28 2011 7:23 م

    ياااا جماااالك يا ضياااء ..

    مبدعة , ما شاء الله ()

    لا سرد لا أسلوب لا أحداث ..

    واصلي هذا الإبداع ~

  10. ديني كياني / أكتوبر 5 2011 11:42 م

    جمييله جداً ياضياء .. اسلوبك لطيف وسلس ..
    حقاً ليس هنالك عائق للنجاح ♥

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: